التصنيفات
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الكيمياء
الكيمياء
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الهندسة
الهندسة
المخطوطات والكتب النادرة
المخطوطات والكتب النادرة
الزراعة
الزراعة
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
الفيزياء
الفيزياء
علوم الأرض والجيولوجيا
علوم الأرض والجيولوجيا
الطب
الطب
البيولوجيا وعلوم الحياة
البيولوجيا وعلوم الحياة
علم الفلك
علم الفلك
.
الهندسة البحث عن السبب . تفهم الفشل

بعض الهياكل تتآكل ببطء وهدوء من الداخل، وتقدّم هذه الهياكل نحو الفشل الكامل يكون مخفياً عن الأنظار كما هي أسسها المدفونة، ولكن إذا لم يُكتشف قيام المنظومة العاطلة بأي شي احترازي أو تآكلي، عندها سندهش عند حدوث فشل فُجائي حاسم، مثل انهيار جسر حامل لكثافة سير في وقت الذروة؛ أو انفجار مركبة فضائية بعد دقيقة من بدء مهمة في صباح يوم شتاء بارد؛ أو فيضان مفاجىء في مدينة عندما لا تقاوم سدودها القديمة. تأثير هذه الحالات واضح مباشرة، لكن الأسباب الجذرية قد تكون مخادعة بجنون، وقد تستغرق التحقيقات أشهراً، إن لم يكن سنوات، والجدال حول النتائج الرسمية لتحليل الفشل قد تكون متباطئة بقدر ما كان الحادث مفاجئاً، ويؤشّر المحققون في كثير من الأحيان إلى عدد من العوامل المسببة والمترابطة، ويرفضون أخرى، وما يعتبر إشاعة غير مسندة أو لا علاقة له، هذا إذا ما ذكرت أساساً، وتحديد مسؤولية الفشل قد تكون مخادعة أيضاً، وتسمّى الأسماء بمسمياتها في بعض الحالات، ولا يتم ذلك في كثير من الحالات، والأشخاص الذين ربما كانوا مسؤولين عن حالات الفشل ربما يبقون مجهولين، كما كانوا عندما تم تصميم وبناء المنظومة المشؤومة.

عندما تقع حادثة، خاصة عندما تقع بشكل مفاجىء وتتقدّم بسرعة، فمن المفهوم أن يسود الارتباك بين الأشخاص المصابين والمحصورين تحت الانقاض؛ والأشخاص الفاقدي الوعي لكن الذين استطاعوا الابتعاد [عن موقع الحادث]؛ وكذلك المارة؛ والمتفرّجين، وشهود آخرين للحدث؛ وأوائل المستجيبين والمنقذين؛ والشرطة ورجال الحريق؛ والمراسلين وغيرهم من وسائل الإعلام الإخبارية؛ وعوائل وأصدقاء الضحايا والضحايا المحتملين؛ ومالكي ما قد فشل؛ ومصمّمي الهيكل الفاشل؛ ومصطادو الأشياء التذكارية الشنيعين؛ والفضوليين؛ وممثّلي التأمين؛ والمحامين، والارتباك يولّد الإشاعات، وتسلسل الأحداث قد يصبح أقل وأقل وضوحاً، وعادة ما يستغرق يوماً أو ما يقارب ذلك قبل أن يصل المحققون الرسميون إلى مكان الحادث؛ وأعضاء أية هيئة معيّنة لدراسة الحادث قد لا يرون [مكان الحادث] لأسابيع أو أشهر بعد الحادث.

لا عجب أن يصاحب أي كارثة العديد من القصص المتناقضة، ومن الطبيعي أن يرى أشخاصاً مختلفين نفس الحادث بمنظور متباينٍ من جوانب مختلفة. فما يمكن أن يكون في المقدّمة بالنسبة لشخص ما، قد يكون في الآخر بالنسبة لآخر، وشخص ما قد يحدّق بينما يومض آخر، وأحدهم قد ينظر إلى أعلى والآخر إلى أسفل، وآخر يمشي وينظر جانباً، بينما الآخر ثابت يحلم، والبعض يرون بأعينهم بينما الآخرين يسمعون بآذانهم. فالجميع يشاهدون الشيء نفسه لكنهم يستخدمون كلمات مختلفة لإيصال تجربتهم، وعلى التحقيق القضائي التأكّد من كل ذلك – والمزيد – لكي يصل لما حصل حقيقةً ولماذا.

لقد تمّ تحديد السبب الميكانيكي للفشل خلال أيام في حالة انهيار المماشي المرتفعة لفندق حياة ريجنسي في مدينة كنساس في 17 تموز/ يوليو 1981، وهو حادث أدّى إلى وفاة 114 شخص وجرح عدد أكبر، وقد قامت [جريدة] كنساس سيتي ستار (Kansas City Star) بتكليف مهندس استشاري للمساعدة في تفسير الحادث، وقام [المهندس] بحل لغز الأدلة في موقع الحادث، ونشرت الصور والرسومات في الصفحة الأولى من الصحيفة يوم 21 تموز/ يوليو – أي أربعة أيام فقط بعد الحادث، وقد أظهرت إحدى الصور بشكل واضح قضيب سقيفة معوّج متدلّياً من سقف الدهليز، وما زالت الفلكة (Washer) والصمولة (Nut) متعلقتان في النهاية السائبة من دون صد شيء. مما دلّ بوضوح أن صندوق القضيب الذي يسنده المجمع قد اجتاز بشكل أو بآخر نهاية القضيب (والفلكة والصمولة) وفُصل عنها، وفي أرضية المجاز، بين الحطام، كان هناك دليل واضح كيف حدث الانفصال: فالفولاذ المحيط بثقب صندوق القضيب، حيث مرّ قضيب الإسناد في وقت ما، قد تشوّه وكأنه سُحب إلى الأسفل بقوة كبيرة عبر مجمع الصمولة والفلكة، وفي الأشهر التي تلت، أجرى المكتب الوطني للمعايير (National Bureau of Standards) اختبارات على نسخة طبق الأصل من ترابطات صندوق القضيب أكّدت أن القوى الضرورية لإحداث انفصال كاسح كهذا هي حقيقة ضمن حدود القوى المسلّطة على المجازات في ذلك اليوم القاتل.

استخدمت مكائن لإجراء الفحوصات، لا تقارب بالحجم جهاز مختبر تالبوت ذي القدرة 3 مليون باوند، أكّدت فرضية الفشل، وأظهرت تحليلات إضافية بشكل واضح بأن كان من المفروض أن تكون ترابطات المجاز أقوى حتى عند تصميمه أصلاً، فكونه صمم بمستوى من دون معايير البناء لا يعني بالضرورة أن تفاصيل الارتباط ستفشل، وفي الواقع، لو لم يتم استبدال القضيب الساند في التصميم الأساسي بقضيبين، وبالتالي مضاعفة القوة بين صندوق القضيب وفلكة الإسناد – وتصيف معامل الأمان من 2 تقريباً إلى ما يقارب 1 – لبقيت المجازات قائمة حتى هذا اليوم. فحقيقة أن المجازات لم تطابق معايير بناء مدينة كنساس لم يكن السبب المباشر للفشل؛ لكن حقيقة أن تفاصيل تصميم قضيب واحد قد تمّ تغييرها ليكون قضيبين كان هو السبب، ولا يمكن تحليل جميع الحوادث بهذه السرعة ولا يمكن تفسيرها بهذه السهولة. لقد هوى الجسر الذي يمتدّ عبر نهر أوهايو بين بوينت بليزانت (Point Pleasant)، غرب فرجينيا، وغاليبوليس (Gallipolis) في أوهايو، الذي خدم المنطقة بشكل جيد منذ 1926، بشكل كارثي عشرة أيام قبل عيد الميلاد عام 1967 وأدى لموت 46 شخصاً وإصابة عشرات [دزينات] أكثر. وهيكل الجسر الذي سمّي رسمياً جسر بوينت بليزانت يشار له بلقبه، جسر سيلفر (Silver Bridge)، والحقيقة أن اللقب هذا يُسبق عادة بأل التعريف باعتباره أول جسر في أميركا استخدم فيه طلاء ألمنيوم، وكما حصل بالنسبة لكريستال بالاس(Crystal Palace)، بالضبط، المصنوع من الحديد والزجاج والذي ضمّ المعرض الكبير في لندن عام 1851، فما كان في وقت ما لقباً جذاباً غير رسمي للجسر ذي اللون الفضي، أصبح اسمه الرسمي تقريباً، وبالرغم من أنه رابط حرج على الطريق الوطني 35 (U.S. Route 35) الذي يربط بين عاصمتي الولايتين، شارلستون وكولومبس، خارج تلك المنطقة من البلد وخارج مجتمع بناء الجسور، لم يكن جسر بوينت بلزانت هيكلاً معروفاً بشكل واسع. لكن كان لتبعات الفشل وسببه أثر كبير في مجتمع بناء الجسور والأمة بكاملها. أجريت التحقيقات الرسمية للانهيار من قبل المجلس الوطني لسلامة المواصلات (National Transportation Safety Board) المستحدث جديداً، وهي الوكالة التي اشتهرت في تحقيقات حوادث الطائرات.

كان جسر سيلفر جسراً معلقاً من نوع مختلف. فبدلاً من أن تكون مجازاته معلقة من خلال حبال فولاذية ضخمة وثقيلة ترتخي على شكل قوس إهليلجي (Parabolic Arc) بين الأبراج، كما هو الحال بالنسبة لمعظم الجسور المعلقة الأمريكية التي بنيت منتصف القرن التاسع عشر، كان متن هذا الجسر قد تم تعليقه من خلال سلاسل فولاذية طويلة مترابطة. لم يكن هذا بحد ذاته شيئاً مبتكراً، لأن العديد من الجسور المعلقة الأولى منذ منتصف القرن التاسع عشر استخدمت سلاسل حديدية، بضمن ذلك جسر ميناي سترايت (Menai Strait Bridge)، الرابط الحرج بين لندن إلى شارع هوليهيد (Holyhead) الاستراتيجي. لكن استخدام السلاسل المعلّقة لجسر بحجم جسر سيلفر كان شيئاً غير اعتيادي في أميركا، والذي كان مختلفاً حقاً في تصميمه هو أن سلاسل التعليق ضوعف عددها حيث حبل الجملون العالي الذي يجعل بدن الطريق أكثر صلابة، وهو نظام لم يستخدم سابقاً في الولايات المتحدة. استخدم روبنسون وشتينمان هذا الأسلوب لأول مرة في البرازيل، وحتى هناك فقد استخدم على الامتداد الرئيسي الذي كان طوله 1120 قدماً. بالإضافة إلى الجملونات التي تصلب المجاز الرئيسي الذي طوله 700 قدم لجسر سيلفر، فإن جملونات المجاز الجانبي لها ميزة فلوريانوبوليس (Florianopolis)، مما جعل المجموع 1460 قدماً من ترابطات مشتركة تعمل كسلاسل معلقة وكحبال علوية للجملونات.

كان التصميم الأصلي للجسر، الممتدِّ بين بوينت بليزانت وغاليبوليس، أكثر تقليدية مما انتهى إليه عندما تم بناؤه. لقد قررت شركة ج. إ. غرينر (J. E.Greiner Company)، من بلتيمور، أنه بتوظيف طريقة معروفة آنئذٍ بدمج حبال الأسلاك الفولاذية بجملون التصلب المميز، فإن بالأمكان بناء الجسر بكلفة تقدر بـ 825.000 دولار. ولكن عندما أعلنت مهمة البناء هذه، أعطيت للمقاولين المشاركين الفرصة لاقتراح تصميم بديل يمكن بناؤه بأقل من 800.000 دولار. فإن حقق المقاول ذلك فيمنح نصف المبلغ المتوفّر، وقد قُدّم العطاء الفائز من قبل شركة جسر أميركان (American Bridge Company) التي كانت قد شيدت جسر فلوريانوبوليس (Florianopolis Bridge) وعرضت التصميم الذي يستخدم سلاسل قضبان معلقة ذات عيون (Eyebar Suspension Chains) ويضاعف قسم منها كعناصر جملون. يتم ربط أزواج القضبان ذات العيون المتوازية التي يبلغ سمك كل منها إنشان وعرضه 12 إنش وقد يصل طوله 50 قدماً، على نمط سلسلة الدراجة الهوائية بواسطة أوتاد فولاذية (Steel pins) لتكوّن الجزء الرئيسي من نظام التعليق، وكما في حالة جسر فلوريانوبوليس، كان الفولاذ الذي استخدم في القضبان ذات العيون في جسر سيلفر [جسر سيلفر] تمت معالجته حرارياً لجعل المادة أكثر متانة – أيضاً للمرة الأولى في الولايات المتحدة –، ولأن روابط السلسلة قد صنعت من هذا النوع من الفولاذ فهي تتحمّل ثقلاً أكبر نسبة لوزنها، فإن هيكل الجسر سيكون أخفّ وزناً وبالتالي أقل كلفة، ولكن كان هناك فرق ملحوظ بين سلاسل جسر سيلفر وسلاسل فلوريانوبوليس، وهو أنه كانت في الأخير أربعة قضبان ذات عيون لكل رابط، بينما كان في الأول قضيبان، وقد ثبت بعدئذٍ أنها نقطة ضعف بارزة في التصميم الأمريكي.

لم تنته الميزات التصميمية الغريبة لجسر سيلفر عند القضبان ذات العيون. فالأبراج التي تعبر فوقها السلاسل لم تكن مثبتة بشكل محكم على الأعمدة، كما هو متعارف عليه، لكنها صُمِّمت كي تتأرجح بحرية ذهاباً وإياباً كردِّ فعل لأي تغيّر طفيف في سحب الحبل. بالمقابل، فحبال التعليق الرئيسية كان يجب أن تثبت بشكل محكم بطريقة ما، سواء صنعت من سلسلة روابط أو أسلاك فولاذية منفردة، لكي تتم مقاومة الشدّ الكبير المسلّط وإبقاء النهايات في المكان المناسب. لذا، وبغضّ النظر عن كيفية تحرّك حبال التعليق أو السلاسل مع الأبراج، فالنهايات يجب أن تكون مثبتة بالأرض بشكل محكم. والطريقة المفضّلة للقيام بذلك هي طمر أطوال النهائيات في موقع صخري (Bedrock)، لكن لم يكن ذلك قريباً من السطح في موقع الجسر واحتاج الأمر لإيجاد بديل، والبديل النموذجي هو إنشاء مبنىً أو أحجار كونكريتية متراصة يستخدم وزنها لمقاومة السحب، والذي يعادل في حالة الجسر سيلفر 4.5 مليون طن لكل سلسلة. فبدلاً من المراسي التقليدية، استخدمت في جسر سيلفر "أحواض من الكونكريت المسلح مملوءة بالتراب والكونكريت" جاثمة على ركائز من الكونكريت المسلح. طول الأحواض 200 قدماً، وعندما تمّ رصف أعلاها، تضاعف كل مرسى كسطح لذلك الجزء من الطريق المقترب.