التصنيفات
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الكيمياء
الكيمياء
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الهندسة
الهندسة
المخطوطات والكتب النادرة
المخطوطات والكتب النادرة
الزراعة
الزراعة
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
الفيزياء
الفيزياء
علوم الأرض والجيولوجيا
علوم الأرض والجيولوجيا
الطب
الطب
البيولوجيا وعلوم الحياة
البيولوجيا وعلوم الحياة
علم الفلك
علم الفلك
الهندسة ناطحات سحاب . لنسامح التصميم تفهم الفشل

بتنامي وفرة الفولاذ في نهاية القرن التاسع عشر، بوشر بإنشاء مبانٍ للمكاتب وصلت ارتفاعات غير مسبوقة، أدّت إلى إطلاق تسمية " ناطحات سحاب " عليها، وأصبح طبيعياً أن ترى في قمة كل بناية مستويات من الأسطح للرؤية. مبنى إمباير ستايت (Empire State Building)، الذي حافظ على رقم قياسي لأربعة عقود بأنه أعلى مبنىً في العالم، كان فيه، ربما، أشهر منصات للرؤية، وتتنافس المباني العالية في أية مدينة في ما بينها بالنسبة لمنصات المشاهدة، أيها لديه الرؤية الأفضل والأوسع لجذب السوّاح، والتي أصبحت أموراً متوقّعة بالنسبة للمباني المرتفعة. برج سيرز (Sears) (ويسمى حالياً ويليس (Willis)) وبرج جون هانكوك (John Hancock) يوفران مشاهدة ممتازة  لشيكاغولاند (Chicagoland). يوفر مبنى جون هانكوك في بوسطن مشاهد للمدينة وما حولها، ويقال الشيء نفسه بالنسبة لمنصات للمشاهدة في مبانٍ أخرى حول العالم. قبل هدم مركز التجارة العالمية في 2001، كان يوفر من أعلى طابق وسطح في برجه الشمالي مشاهد رائعة لمرفأ نيويورك – وتمثال الحرية، والآن، وبالطبع بسبب مخاوف الهجومات الإرهابية تمّ تحديد الدخول وازدادت إجراءات التدقيق للمغامرين الذين يرغبون في تسلّق أو ركوب ما يوصلهم إلى أماكن مرتفعة في فضاءات ضيقة للنظر إلى مشهد يبدو أن لا حدود له. بالرغم من ذلك، لم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت مراصد فوق الجسور، على الرغم من أن الفكرة كانت قائمة منذ وقت طويل، والواقع، أن المرصد فوق معبر نهر بينوبسكوت هو الأول في نصف الكرة الغربية.

من المتوقّع أن المرصد – وتعقيدات ارتياده - كانت بعيدة جداً عن أفكار الذين كُلّفوا بتصميم الجسر الذي سيحلّ محل والدو– هانكوك السريع التآكل، وقد تبدّل ذلك عندما اكتشف الباحثون في إدارة المواصلات، عندما كانوا يدرسون موضوع الأشكال التاريخية التي قد تكون مناسبة للأبراج في الجسر الجديد، أن أحجار الصوان من جبل والدو (Mt Waldo) القريب قد استخدمت في بناء صرح واشنطن. وبشكل مفهوم، جاءت فكرة أبراج الجسر لتحاكي شكل مسلّات صرح العاصمة، ومن هذا القرار أثير احتمال طبيعي بإنشاء المرصد على قمة أحد أبراج الجسر، وقد جذبت هذه الفكرة قيادات الأعمال والتجمعات المدنية في المنطقة، الذين رأوا الآن في الجسر نقطة انجذاب سياحية، مع ما يتأتّى عن ذلك من فوائد اقتصادية، وبما أن دعم المجتمعات المحلية مهم بالنسبة لإدارة المواصلات، خوفاً من أن تؤدّي المعارضة إلى تأخير التقدّم في بناء الجسر، لذا أصبح المرصد جزءاً مهمّاً وثابتاً من المشروع.

بالنسبة لي، تقع أهم الأشياء التي يمكن رؤيتها من مرصد الجسر الجديد تحت المرصد مباشرة. ففي شماله يقبع والدو- هانكوك الصدئ، وأبراجه المقزّمة مقارنة بأبراج الجسر الجديد. عندما زرت الجسر لأول مرة عام 2007، كانت الحبال الإضافية التي تمّ تركيبها في الجسر القديم ما زالت موجودة، لكن الجسر كان خالٍ من المركبات حيث تمّ إغلاقه قبل يوم من انتهاء السنة السابقة. كانت آخر مركبة عبرت الهيكل المتهالك من نوع فورد موديل 1915. مقتربات الجسر القديم كانت موجودة، لكنها تقود إلى طريق تمّ إغلاقه، من دون احتفال، بواسطة سلسلة وبوابات معلّق عليها علامات "ممنوع الدخول". (عندما عدت إلى الجسر بعد ثلاث سنوات، كان الشيء الوحيد الذي بدا وكأنه قد تغيّر أن الجسر القديم قد اكتسب كمية أكبر من الصدأ).

بعض المحافظين [على البيئة]، من دون شك، كانوا يرغبون في رؤية الجسر القديم قد أعيد إلى حالته عند بنائه (من ضمن ذلك رفع الحبال الإضافية) وأن يعاد إلى الخدمة كممرّ للمشاة وراكبي الدراجات، لكنه كان مقترحاً مكلّفاً. خطة الولاية هي تفكيك الجسر القديم، مع احتمال رفع الأجزاء بالتسلسل العكسي لعملية التجميع، بمساعدة المناشير القاطعة وربما في النهاية بواسطة المتفجّرات. وحتى الهدم يكلّف ملايين الدولارات، ولذا ومن دون وجود تمويل مؤكّد لن يكون هناك جدول زمني مؤكد، وهناك مؤشرات بأن أي عملية رفع للأنقاض سيصاحبها بناء مسار للمشاة تحت أجزاء أحد الممتدات الناتئة التابعة لطريق الجسر الجديد، وفي هذه الحالة سيعلّق الممشى من جانب حافة الطريق الذي يشبه الجناح ليوفر وسيلة لعزل المشاة عن المركبات، وحتى يتمّ ذلك، يمكن التفكير بنوع من الكتف أو المسار الصغير الذي يمكن استخدامه للمشاة وراكبي الدراجات يكون منفصلاً عن المركبات بواسطة خط أبيض يحدد مسار السيارات.

يمكن للزائر من سطح المشاهدة ومتابعة خطوط الحبال التي تخرج من تحت الجسر مباشرة في مسارين عموديين يلتقيان في مسار أفقي واحد مثبت على سطح الجسر. يتمّ التثبيت بواسطة أغلفة الحبال المتضمّنة في الوسط المرتفع الذي يكوّن العمود الفقري للطريق، ومن المرصد يبدو واضحاً بشكل مثير بأن للجسر الجديد مساراً وحيداً لكل اتجاه، مما يظهر احتمال أن يكوّن ذلك نقطة اختناق للسير. عندما سُئل مرشد المرصد السياحي عن سبب تصميم الجسر بمسار واحد لكل اتجاه، أشار إلى أن الكلفة كانت السبب، وأضاف أن بإمكان كل جانب من الجسر تحمّل مسارين إن استوجبت الحاجة ذلك – ولو كان ذلك باستخدام مسارات عرضها 10 أقدام من دون أكتاف – ولكن ما لذي سيتبقّى للمارة وراكبي الدراجات؟ وبحسب رأي أحد الفنيين العاملين في إدارة المواصلات، إن الجسر صُمِّم بمسار واحد لكل اتجاه بسبب أن المدينة التاريخية سيرسبورت (Searsport) المجاورة إلى الجنوب، وبكسبورت (Bucksport) للشمال، لا تستطيعان توسيع روت 1 (Route 1) لجعله 4 مسارات. فتوسيع سعة الجسر قد يؤدي إلى نقاط اختناق في أماكن أخرى.

المال، أو قصوره، عادة ما يكون سبباً رئيسياً في إنجاز شيء ما – أو عدم إنجازه – ما يؤدي في بعض الأحيان إلى حالات من الفشل، قد لا تكون هيكلية أو كارثية، ولكنها مع ذلك تُعيب التصميم. ربما كان السبب المال، أو الجدول الزمني المتعجّل للإسراع في إكمال الجسر، لكن بعض جوانب التصميم للهيكل الجديد كانت محبطة وظيفياً وجمالياً. الطريقة التي تم بها تخطيط المسارات، لم تُبق مسافة كافية للكتف بين مسار السيارات والحبال الضخمة المثبتة في الأعلى التي توحي بخط غير منقطع من النوع المشابه لحواجز جرسي الكونكريتية (Concrete Jersey Barriers) الذي يصادفه الفرد في الطرق السريعة في للولايات الأكثر كثافة بالسكان، لكن المسارات التي في ماين تعلوها أنابيب الحبال السميكة موجّهة جميعها كالمدافع إلى أعلى الأبراج بالاتجاه الذي تقود إليه مسارات الحبال المشدودة. وحسب علامات المسار، فجميع السيارات يجب أن تسير قريباً من الحبال المرتفعة. هذا الترتيب قد يكون له فائدة هيكلية في تقليص أي إلتواء في الطريق، لكنه يعني بالنسبة لبعض السائقين والمسافرين قرباً غير مريح لما قد يبدو حاجزاً دخيلاً في المركز. كنتيجة لذلك، يشعر الساقة وركّابهم بافتقاد حسّ الانفتاح الذي كانوا يأملون توفّره في جسر في ريف مين؛ بدلاً من ذلك، يشعرون بحسٍّ من الاضطهاد، على الأقل من جانب السائق. لو تمّ تبادل الكتف الضيق الذي على يمين السير مع مسار السير لكان العبور أكثر عقلانية ومتعة، ولكن تتحكّم اعتبارات هيكلية أقل ثباتاً عادة في التصميم، بالإضافة، بالطبع، إلى تعقيدات جعل مسار المشاة وراكبي الدراجات داخل مسار سير العجلات، مما سيؤدّي إلى حجب رؤيتهم للنهر. ومع ذلك، من الواضح من موقع المشاهدة المرتفع أن العديد من السيارات تميل إلى الابتعاد عن الوسط الدخيل ويسوقون عجلاتهم إلى الجانب الأيمن فوق الخط، متعدّين ضمنياً على المسار المخصص للمشاة وراكبي الدراجات. هذا الجانب من تصميم الجسر قد يعتبر فشلاً وظيفياً – وهو كذلك خطر كامن.

ما يمكن أن يسمّى فشلاً جمالياً، أو خطأً، أو صرف انتباه، على الأقل لهذا الناقد الهيكلي المعين ذاتياً، هو نقص في الاستمرارية والتوازن والتناسق في الأبراج. من الصفات الملاحظة عن الأبراج أن الساندات فوق الطريق أضيق في الاتجاه العرضي مما هي باتجاه سير العربات. سببُ ضيق الساندات ربما كان الحاجة للسماح بمساحة كافية لمسارات السيارات؛ والأكثر احتمالاً أنه من المفروض أن يحتوي سُمك الساندات بالاتجاه الطولي على منظومة أنابيب تغليف الحبال، وعندما يُنظر جانبياً من بعيد، يلاحظ عدم التناسق بين شكل الساند المستطيل فوق السطح وبين ذلك الجزء المربع من الامتداد تحته مما يسبب إرباكاً أكبر، وقد يكون ذلك نتيجة مؤسفة لعملية التصميم والبناء المتسرّعة، التي سمحت للأساسات والأعمدة أن تُبنى قبل البتِّ النهائي بنوع الجسر وتصميم الهيكل الفوقي.

الحالة الخلافية الأخرى لأبراج الجسر هي قرب قممها. فقد أُحيط البرج الذي يحتوي المرصد بثلاثة مستويات مرئية بوضوح من شبابيك زجاجية، ما جعل هذا الجزء من الهيكل يبدو شفّافاً بالفعل، وعندما نظرت أنا وزوجتي إلى الجسر من فورت نوكس، رأينا ثلاثة مستويات واضحة من خيالات أناس منعكسة في السماء في الجانب الأبعد. رهافة قمة البرج المحاط بالزجاج كانت أخّاذة، وفي تسليط إضاءة معينة، تعطي الفتحات انطباعاً بوجود ثلاثة مستويات عاكسة تحت القمة الهرمية مباشرة. مع ذلك، فالبرج الشوقي، الذي لا يوجد مرصد فيه، لم يعطِ معالجةً متوازنة ومتوّجة مماثلة. بدلاً من ذلك، فالهيكل الصواني الصخري يعلو الحبال من دون ارتياح أو تشدّد لغياب أي شيء حتى البدء حيثُ يستدق تدريجياً نحو الشكل الهرمي، الذي يزيّن أعلاه فناراً أحمر للطائرات جالساً على القمة.

ترتيب الحبال في هذا الجسر مربكة أيضاً. ينطلق كل حبلين من كل سرج بحيث تكون المسافة بينهما عشرة أقدام أفقياً، وتنتهيان باتجاه خطّ الوسط من السطح، يكوّن هذا الترتيب بمجمله متعلقاً هندسياً ثلاثي الأبعاد يأخذ أشكالاً متنوّعة من الأنماط المربكة والمتنافرة عندما ينظر إليها من أماكن مفضّلة متباينة للرؤية. عندما ننظر إلى الجسر من القلعة، تظهر ترتيبات الحبال من جانب المقترب الغربي للمجاز كأنها خطّ من عقد التقاطع في الوسط باتجاه الأعلى. المجموعات الأخرى لها مظهر تموّجي تتحرك بتحرّكنا من موقع المشاهدة. تنظيمات الحبال هي من نقاط القوة لجمالية الجسر المثبت بالحبال، ولكن في حالة جسر بينوبسكوت الجديد فالمجموعة المعقّدة من التداخلات مع العمق والطول بدت، عند زيارتنا الأولى على الأقل، مشوّشة ومربكة ومتنافرة.

من السهل انتقاد أي هيكل بناء؛ من الصعب تذكّر جميع المحدّدات (ومن ضمنها السياسية والاقتصادية) التي اضطر المصمّمون والمهندسون والمشيّدون العمل ضمنها لإنتاج جزء من بنية تحتية تكون آمنة وكفوءة. افتتح جسر ماين الجديد للسير بعد ثلاث سنوات من وضع حجر الأساس. استغرق إكمال الأساسات ستة أشهر، وستة أشهر أخرى لنصب أعمدة الدعم الضخمة فوقها. لو لم تتم هذه المرحلة من البناء تحت مستوى طريق الجسر، كمسار سريع (Fast Track)، لبقي الجسر تحت الإنشاء أربعة سنوات بعد وضع الحجر الأساس، وكان يمكن أن يستغرق وقتاً أطول من الوقت الذي يمكن لجسر والدو– هانكوك أن يتحمّل السير الذي طلب منه الاستمرار بتحمله.

نقاط محقة من الانتقادات لا تعني بالضرورة أن تصميم الجسر كان فاشلاً كلياً أو أنه غير آمن أو غير مناسب أو غير سليم في ظلّ ظروف تصميمه وتشييده. بالرغم مما اعتبرناه أخطاءً مغفورة، فالجسر الجديد عبر نهر بينوبسكوت يعتبر إضافة مدهشة للبنية التحتية للمنطقة، وإدارة المواصلات والشركات المنفذة تستحق الثناء لإحداث جسر مدهش ومرصد صُمِّم وبُني في ظلّ ظروف صعبة من ضغوط الإلحاح والاقتصاد والسياسة، وفصول شتاء مين. من الجميل أن نفكر أن الجسر الجديد قد يدوم إلى الأبد، لكن ذلك سيكون تفكير بالتمنّي.

بينما أكتب الآن [هذه السطور]، يقف جسر والدو– هانكوك وجسر ومرصد بينوبسكوت ناروز جنباً إلى جنب، يقدمان بذلك تناقضاً مدهشاً لما كان وما يمكن أن يكون، وعندما يضاءان من الخلف عند شروق الشمس أو الغروب، يظهر الهيكلان كخيالين ما يمحي جميع علامات العمر الطبيعي [للجسرين]، ولكن عندما تكون الشمس عمودية، يظهر والدو– هانكوك ككتلة صدئة راسية عبر النهر وسطحه معلّق بما يبدو من مسافة كخيوط. ما كان يجب أن يكون هيكلاً تاريخياً يُفخر به، يعطينا جسر ماين المطلي بالأخضر حديثاً إيماءة من اللون الفاتح المتدرج (Hue)، والصدأ يستحوذ عليه في كل مكان، ومن المتوقّع أنها مسألة وقت قبل أن ينهار الهيكل كلياً بسبب انتشار التآكل أو بسبب منشار القطع، والأخير قد لا يحدث قريباً، بسبب شحة المال وكل سنة تمرّ على الجسر تزداد كلفة تفكيكه. بقدر قبح منظر الجسر القديم، يبقى منظره محجوباً بارتفاع وبريق الجسر الجديد، وهو ما زاد في إهماله من قِبل الجميع عدا المؤرّخين العاطفيين في المنطقة وإدارة المواصلات في الولاية، التي تعلم أن المسؤولية القانونية تقع على عاتقها. قد يكون الأفضل ترك جسر والدو– هانكوك مهملاً يعلوه الصدأ كما هو الآن. فاستمرار تآكله ليس أمراً جميلاً، ولكنه تذكير دائم لجميع الراغبين في التركيز عليه أن نفس المصير قد ينتظر الهيكل الجديد يوماً ما – إن لم تتم صيانته بشكل مناسب.

مقالات ذات صلة

مقالات من نفس الكتاب




تم التسجيل بنجاح, أهلا وسهلا بك معنا





تسجيل الدخول / تسجيل