التصنيفات
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الكيمياء
الكيمياء
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الهندسة
الهندسة
المخطوطات والكتب النادرة
المخطوطات والكتب النادرة
الزراعة
الزراعة
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
الفيزياء
الفيزياء
علوم الأرض والجيولوجيا
علوم الأرض والجيولوجيا
الطب
الطب
البيولوجيا وعلوم الحياة
البيولوجيا وعلوم الحياة
علم الفلك
علم الفلك
.
المخطوطات والكتب النادرة خُلق التَّوَاضُع

خُلُقُ التواضعُ من الأخلاق الحميدة، التي يحبُّها الله في عباده، ويدعو الناسَ إلى التحلِّي بها. وكان التواضع من الصفات الملازمة للأنبياء – عليهم الصلاةُ والسلام – فكلُّ نبي بعثه الله تعالى إلى قومه يكون متواضعاً، بعيداً عن صفات الكِبْر والاسْتِعْلاء، والتَّرَفُّع على قومه. فيصل كَلامه ونصحه إلى قومه برفق ويسر، من غير حواجز نفسية.

فالنبي محمّد – صلى الله عليه وسلم – مع ما آتاه الله تعالى من الفضل والشرف، وبَوَّأه المكانة العالية، والمقام المحمود، كان مثالاً واضحاً على التواضع، ولين الجانب، وكان قريباً من عامة الناس، يصل إليه من أراده، في أي ساعة من ليل أو نهار، لا حرّاسَ ولا حُجَّابَ، ولا أبوباَ موصدة ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159).

ومن مظاهر تواضُعه – صلى الله عليه وسلم، أنه كان رحيماً بالفقراء، وَدُوداً مع الأيتام والأرامل، لطيفاً مع الصغار والضعفاء. ولم يكن في يوم من الأيام جبَّاراً أو متكبِّراً، أو متطاولاً على أحد بشرفه أو جاهه أو منزلته السامية.

بل إنه قد أُثِر عنه أنه كان يركب الحمار، ويلبس الصُّوف، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير، ويأكل على الأرض، ويصلح نَعله بيده، ويخيط ثوبه، ويحلب شاتَه، ويكون في خدمة نفسه، ومساعدة أهله.

 

ومن آثار خلق التواضع الإيجابية، أن الإنسان المتواضع، وإن كان غنياً أو ذا جاه أو سلطان، فهو هيِّن، ليِّن، قريب، ودود، رحيم، يألف الناس ويألفوه.

ويشاركهم في أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم. ويكون عنده حسٌّ عاطفي، ووجْدان اجتماعي، يتعاطف مع المحتاجين، ويرأف بحال الضعفاء، ويكون له دور إيجابي في تخفيف المعاناة عن الناس، لأنه لا يتكبر عليهم، وليس بمعزول عنهم. فهو يشعر بآمالهم، فيسعى لتخفيفها، ويشعر بطموحاتهم، فيسعى لتيسيرها، على قدْر ما يستطيع.  

وذو السلطان أو الجاه المتواضع له منزلة سامية في قلوب الناس، فهو محبوب مرغوب فيه، مألوف، يدعو الناسُ له بالخير، ويتمنَّوْن له التوفيق.

والتواضع خلق فاضل، ويكون في الأغنياء أفضل، لأن غناهم وجاههم قد يغريهم بأن ينصرفوا عن التواضع. وفي المقابل الاستكبارُ خُلُقٌ سيء، وفي الفقراء أسوأ، لأن فقرهم وحاجتهم تستدعي خلاف الاستكبار.

 

والتكبّر قد يدعو صاحبه إلى عدم الاعتراف بالحق، بل ربما أدى به إلى الكفر والهلاك(بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر:59)، وعن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «لا يَدخُلْ الجنةَ من كان في قلبِه مِثقالُ ذَرة من كبر».

والمرء المتواضع وإن كان له مزية من شرف، أو فضلٌ، أو جاهٌ، أو مال فهو لا يرى هذه المزية له، ولا يتخذها وسيلة للتعالي على من دونه من الناس، بل هو يهضم نفسه، ويتواضع لله تعالى، ويعرف أن الخيرَ كلَّه نعمةٌ من الله تعالى. انظر إلى ما حكى القرآن الكريم من وصية لُقمان الحكيم لابنه(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان:18).

 

وخلق التواضع له أثر بليغ في ترابط طبقات المجتمع، وإذابة الفوارق الاجتماعية، وتقريب المسافات، وسَدِّ الفجوات بين الأشراف والسادة والأغنياء، وبين الفقراء والبسطاء وعوامِّ الناس.

وقد ينتقل خلق التواضع بالمحاكاة والاكتساب، وينتشر في المجتمع. فالسادة والأمراء والكبراء إذا ما تواضعُوا لله تعالى في تصرفاتهم، وسلوكياتهم، وهجروا التَّرفع والاستكبار في تعاملهم مع من دونهم، فسوف يقتدي بهم مِنْ يليهم في الفضل والشرف والجاه.

وهكذا تتسع دائرة انتشار هذا الخُلُق الفاضل من قمة الهرم إلى قاعدته، ويصبح سِمَة واضحة لهذا المجتمع الفاضل.

وفي الجملة خلق التواضع من الأخلاق العظيمة، وهو يحمل صاحبه على التحلِّي بمكارم الأفعال، ومحاسن الشِّيَم، ويجنبه مساويء الأفعال، ورذائل الطباع. فهو خلق عظيم يحبّه الله تعالى، ويحبه رسولُه، محمّد صلى الله عليه وسلم.

 

وتأمّل في هذه الصورة الجميلة التي يرسمها الشاعر للتواضع:

تَواضَعْ تَكُنْ كالبدر لاحَ لِناظرٍ

                                      على صفَحات الماءِ وهو رفيعُ

ولا تَكُ كالدُّخَان يعلو تجبُّراً

                                      على طبقات الجو وهو وضيعُ

 

وكذلك قول البحتري:

دَنوتَ تواضعاً وبَعُدْتَ قدراً

                                      فشأناك: انحدار وارتفاعُ

كذلك الشمسُ تبعدُ أن تُسَامَى

                                      ويدنو الضوءُ منها والشعاعُ