التصنيفات
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الحواسيب، الانترنت والأنظمة
الكيمياء
الكيمياء
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الأحافير وحياة ما قبل التاريخ
الهندسة
الهندسة
المخطوطات والكتب النادرة
المخطوطات والكتب النادرة
الزراعة
الزراعة
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية
الفيزياء
الفيزياء
علوم الأرض والجيولوجيا
علوم الأرض والجيولوجيا
الطب
الطب
البيولوجيا وعلوم الحياة
البيولوجيا وعلوم الحياة
علم الفلك
علم الفلك
.
الفيزياء ظاهرة الإصدار المحفوز ومبدأ الانتفاء

إن من الصعب على المرء أن يُصدق أن هذا التنوع الكبير في الطبيعة يكاد ينجم حصراً عن انضمام نسخ متوالية من ثلاثة نهوج أساسية فقط . لكن ذلك ، على غرابته ، صحيح! وسأريكم الآن ، قدر المستطاع ، من أين يأتي هذا التنوع.

لنبدأ بالفوتونات (شكل 70) . ما هو احتمال أن يصل فوتونان ، موجودان في النقطتين 1 و 2 من الزمكان ، إلى الكاشفين الموجودين في 3 و 4؟ 

يمكن لهذا الحادث أن يقع بأسلوبين رئيسيين، كل منهما يتعلق بوقوع شيئين معاً: يمكن للفوتونين أن يذهبا مباشرة – P (1 إلى 3) × P  (2 إلى 4) – او أن يتقاطع طريقاهما – P ( 1 إلى 4 ) × P ( 2 × 3 ).

عندئذ نجمع السعتين الحصيلتين ، ويحدث تداخل (كما رأينا في المحاضرة الثانية)، مما يجعل طول السهم النهائي متغيراً بتغير توزع النقاط الأربع في الزمكان.

 

وإذا كانت 3 و 4 منطبقتين في نقطة واحدة (شكل 71) ؟ لنقل أن الفوتونين يذهبان إلى 3، ولننظر كيف يؤثر ذلك في احتمال الحادث .

لدينا الآن الجداءان : P (1 إلى 3) × P (2 إلى 3) و P (1 إلى 3) × P (2 × 3)، وسهماهما متطابقان. فعندما نجمعهما يكون طول مجموعهما مساوياً ضعفي طول أحدهما، ومربع السهم النهائي يساوي أربعة أضعاف مربع  أحدهما.

وبما أنهما منطبقان فهما يتواليان دوماً على مستقيم واحد. وبتعبير آخر، يزول التفاوت التداخلي الناجم عن انفصال 1 عن 2، أي أن التداخل بنّاء دوما.

ولو تناسينا تداخل هذين الفوتونين جمعي دوماً ،  نتوقع أن نحصل، وسطياً، على احتمال مضاعف ؛ وبدلا من ذلك نحصل دوماً على احتمال أكبر بأربع مرات. وكلما ازداد عدد الفوتونات ازدادت القيمة اللامتوقعة للاحتمال .

 

ومن ذلك نستنتج عدداً من المفعولات العملية. نستطيع أن نقول أن الفوتونات تنزع إلى ((التواجد)) في ظرف واحد أو بتعبير أدق، في ((حالة)) واحدة (نقصد بهذه الكلمة التنوع المكاني لسعات احتمال كشف الفوتون).

فالذرة التي تملك إمكانية إصدار فوتون في حالة ما، يزداد احتمالها في فعل ذلك إذا كان يوجد سلفاً فوتون في تلك الحالة. وهذه هي ظاهرة ((الإصدار المحفوز)) الذي اكتشفه أينشتاين عندما قدم النظرية الكمومية مقترحاً النموذج الفوتوني في بنية الضوء. وعلى أساس هذه الظاهرة تعمل الليزرات Lasers.

وتحدث الظاهرة نفسها لإلكتروناتنا الوهمية ذات السببين الصفري. أما في عالم الحقيقة، حيث الإلكترونات مستقطبة، فنلاحظ شيئاً مختلفاً جداً: أن أحد السهمين، E  (1 إلى 3) ×E  (2 إلى 4)  و E (1 إلى 4) × E (2 إلى 3) ، ينطرح من الآخر – أي يُعكس اتجاه أحدهما قبل جمعه مع الآخر.

وإذا انطبقت النقطتان معا، يصبح للسهمين طول واحد واتجاه واحد، فينعدمان بالطرح (شكل (72) ).

 

وهذا يعني أن الإلكترونات، بخلاف الفوتونات، لا تحب ((التواجد)) في مكان واحد، إنها تتحاشى بعضها إلى أقصى حد – لا يمكن أن يوجد إلكترونان باستقطاب واحد في نقطة واحدة من الزمكان – وهذا ما يسمى ((مبدأ الانتفاء exclusion)).

ومبدأ الانتفاء هذا كان في أعماق شتى الخواص الكيميائية للذرات. فالبروتون الذي يتبادل فوتونات مع إلكترون يرتعش حوله يؤلف ما نسميه ذرة هدروجين.

والبروتونان المنتميان إلى ذرة واحدة ويتبادلان فوتونات مع إلكترونين (مستقطبين في اتجاهين متضادين) يؤلفان ذرة هليوم.

وهكذا ترون أن للكيميائيين طريقة في العدِّ معقدة بعض الشيء: فهم بدلا من  ((واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة بروتونات) يقولون ((هيدروجين، هليوم، ليتيوم، بيرليوم، بور)) .!

 

ليس للإلكترونات سوى حالتي استقطاب اثنتين. فالذرة التي تحوي نواتها ثلاثة بروتونات تتبادل فوتونات مع ثلاثة إلكترونات – منظومة تسمى ذرة ليتيوم – يكون الإلكترون الثالث أبعد عن النواة من الإثنين الآخرين (اللذين يحتلان كل المكان القريب من النواة) وتتبادلان فوتونات أقل عدداً.

فهذا الإلكترون يستطيع إذن، بسهولة أكبر، أن يقطع صلته مع النواة بتأثير فوتونات تأتيه من ذرات أخرى. ومن هذه الذرات المتجاورة عدد كبير يفقد بسهولة إلكترونه الثالث المنفرد.

وهذه الإلكترونات المتحررة تؤلف بحراً تستحم فيه الذرات. وهذا البحر من الإلكترونات يتأثر بأضعف قوة كهربائية (بفوتونات)  فيتولد تيار الكترونات، وهذا سبب الناقلية الكهربائية التي يملكها معدن الليتيوم. أما ذرات الهيدروجين والهليوم فلا تفقد إلكتروناتها بتأثير الذرات الأخرى المجاورة، ولذلك كان الهيدروجين والهليوم "عازلين" للكهرباء.

إن الذرات – بأجناسها المختلفة التي تقارب المئة – تنطوي على بروتونات تتبادل فوتونات مع إلكترونات عددها يساوي عدد البروتونات.

 

وفي تشاركاتها تتخذ تشكيلات معقدة ذات خصائص رائعة في تنوعها: بعضها معادن، وبعضها الآخر عوازل، منها الغازي ومنها المتبلور؛ فيها الطريِّ وفيها القاسي،  منها الملون، ومنها الشفاف - إنها تشكيلة أصبغة ما على لوح رسام فنان، فيها من الروائع والبدع ما تدين به لمبدأ الانتفاء ولتكرار تلك النهوج الثلاثة فائقة البساطة P (A إلى B) و E (A إلى B) و j (لو كانت الإلكترونات في عالم الواقع غير ذات استقطاب لكانت الذرات كلها ذات خصائص متشابهة تماماً : كانت الإلكترونات ستتجمع كلها قرب نوى ذراتها ويكون من الصعب على الذرات الأخرى أن تجذبها لتُشركها في تفاعلات كيميائية).

إن من حقكم أن تندهشوا من أن نهوجاً على تلك الدرجة من البساطة تولد عالماً على هذه الدرجة من التنوع والتعقيد. لكن الظواهر التي نشاهدها في هذا العالم هي نتائج تشابكات مذهلة ذات آلاف مؤلفة من التبادلات الفوتونية والتداخلات.

 

وليست النهوج الثلاثة الأساسية سوى بدء في تحليل ظرف واقعي فيه من عدد التبادلات الفوتونية ما يجعل الحساب مستحيلاً – والخبرة المكتسبة وحدها قادرة على إرشادنا إلى أهم الإمكانيات المتاحة.

ولهذا السبب اخترعنا حيلاً مثل ((قريبة الانكسار)) و ((الانضعاطية compressibility))  و ((القيمة الاتجادية valence)) ، للمساعدة في إجراء حساب تقريبي، دون الدخول في كل التفاصيل العميقة.

إن هذا يذكر بالفرق بين معرفة قواعد الشطرنج (أساسية وبسيطة) وبين حسن اللعب بالشطرنج، فاللعب يتطلب تقدير نتائج كل وضعية ونقلة (وهذه سوية من المعرفة أعلى بكثير جداً وأصعب منالاً).